الهولندي
08 - 05 - 2006, 00:51
بسم الله الرحمن الرحيم
اخواني الركام . اقدم لكم موسوعه عن الشاعر ابو الطيب المتنبي راجياً من الله تعالى انت تنال اعجاب الجميع .
------
..::.. ][ حيــاة المتنبــــي وسيرتــه الذاتيـــة ][ ..::..
عربي الأصــل , نشأ في أسرة فقيرة
ويعرف أبوه بعبدان السقـاء كان عـ,,ـمله سقاية المـ..ــاء في محلة كندة
وقد أرسله حيـن درج إلى مدارس العلويــ,,ـين في الكوفـ..ـة ليتعلم فيها القراءة والكتابـة
مع فريق من أولاد أشراف العلويـيـن
وأخذ يختلف على دكاكين الوراقيـن لمطالعة بعض الكتب والكراريس
وكانت هذه الحوانيت منتدى للأدب ، يقصدها العلماء والأدباء والباحثــون
فلا بد أنه كان يلقـ..ــى فيها كثيرا منهم ويتصل بهـ,,ـم
وطبيعي أن تلك الحوانيـت هي التي مهدت للمتنبي ثقافته الأولى
ساعـ..ــده على ذلك ذكاؤه الحاد ، ويروى عنه أنه كان قوي الذاكرة ، سريع الحفظ
وأنه ذهب إلى البادية وأقام فيها سنتين لتقويـ..ــم لسانه وتعلم اللغـة
ويبدو أنه سافر لهذه الغاية عندما أغار القرامطة
على الكوفـ,ــة سنة 312هـ ، وغادرها ثانـ.ـية سنة 319هـ مع كثير من أهلها
لعودة القرامطة إليها بعد انتصارهم على جيـ,,ـوش الخلافة
خرج إلى بادية بني كلب , فأقـام بينهم مدة ينشدهم من شعره ويأخذ عنهم اللغة
فعظم شأنه بينهم ، حتـى وشى بعضهم إلى لؤلؤ أمير حمـ,,ـص من قبل الإخشيدية
بأن أبا الطيب ادعى النبوة في بنـ..ـي كلب وتبعه منهم خلـ,ـق كثير
ويخشى على ملك الشام منه ، فخرج لؤلؤ إلى بني كلب وحاربهـ,ـم
وقبض على المتنبي وسجنه طويلا ثم استتابه وأطلقه
وفي السنة نفسها قطع طريق الحجاج العراقيين الذاهبين إلى مكـة
واغتنم فرصة الذعر الذي استولـ,ـى على العراقيين
فدخل الكوفة ونهبها وضربها ثم عاد إلى البحرين , ,
فلعل هجرة والد أبي الطيب إلى البادية كان نتيجة لهذا الذعر الذي لحق الكوفيـيـن
ومهما يكن من سبب هذه الهجرة إلى البـ..ـادية
فإننا نعلم أن والده استقر به في بادية السماوة عند بني الصابي
وهم فرع من جشم بن همدان أخواله، ومكث سنتين في بادية السماوة، ويبدو أن القرمطية اجتذبت في بدء ظهورها أنصارا لها من أوساط البدو المتحمسيـن
استقر في الكوفة ، وبعد رجوعه من البادية إلي الكوفة ، لم يطل مكثه بها ، فتركها إلى بغداد
ولم يبق في بغداد طويـلا ، فخرج عنها إلى الشـ,,ـام , ,
خرج إلى الشام وهو لم يبلغ العشرين من عمـره
ونرى أن الأحداث التي كانت تجري في الشام من نزاع بين الإخشيديين وبين خلفاء بغداد
ومحاولات الطامعين إنشاء دولة والسيطـ,,ـرة على المدن وإقامة ملك لهم
وهو الذي لفت المتنبي إلى الذهاب إلى هناك
لأنه قد وجد في مثل هذا الوسط المضطرب مجالا لتحقيق طموحاته
التي ولدتها في نفسه آراء القرامطة من ناحية وطموح طبيعي في نفسـ,ـه من ناحية أخرى
ولأنه في الشـ..ـام لا يعرفه أحد فلا يمكن أن تقف قصة مهنة أبيه
عائقا في تحقيق مثل هذه المطامح , فالناس هناك يجهلون مثل هذه المهنة. ونحن نرى أن المتنبي في هذه الفترة اتصل بالرؤساء والزعمـاء يمدحهم ولا يكاد يستقر في محل
إلا ليتركه إلى محل آخر ,
ذهـب إلى طبرية فأقام قليلا في اللاذقية , اتصل بالتنوخيين وهم أمراء العرب
فمدحهم ثم حدثت بعد ذلك الحادثـة التي أدت به إلى السجن , ,
وبقي في السجن نحو سنتيـ,,ـن، وأطلق سراحه ، فغادر جنوب سوريا إلى الشمال
وظل ينتقل هناك بين الأمراء حتى هيأ له الاتصال بسيف الدولة
ولعل كثرة تنقله بين المدن وبين رؤساء القبائل مع إعلانه الثورة في شعـ,,ـره
هو الذي جعل خصومه يكيدون له عند والي حمص فسجـ..ــن
أصبح المتنبي خلال إقامته في الشام أكثر شهرة وأقدر على إثارة حسد الحاسدين وكيد الكائدين واستطاع هؤلاء الحساد أن يكيدوا له عند والي حمـ,ـص
فكتبوا إليه أبياته التي تدل على استهانته بالدين من ناحية واستعداده للثورة من ناحية أخرى
ولعل صاحب حمص قد خشي أن يثور المتنبـي
فألقاه في السجن , ولكن من الرواة من يقول أن سبب سجنه هو ادعاؤه النبوة
وخداعه أعرابا من كلب بهذه النبـوة ، وأن أمره كان يقوى حتى خرج إليه أمير حمص
ففرق جمعه وألقاه في السجن
بعــد خروجـه من السجن , لم يتوقـف المتنبي عن مايفعله
بل أقـام الثـورات أراد أن يتزعم حركة دينية تحقق له مطامحه متأثـرا بآراء القرامطة من غير شك
ففشل فيها وسجـ,,ـن ولقب بعد سجنه بالمتنبي
وقد أبدى في سجنه صبرا ، فهو يقول مخاطبا سجانـ.ـه أبا دلف:
أهون بطول الثواء والتلف والسجن والقيد يا أبا دلف
غير اختيار قبلت برَّك بي والجوع يرضي الأسود بالجيف
كن أيها السجن كيف شئت فقد وطنت للموت نفس معترف
لو كان سكناي فيك منقصة لم يكن الدر ساكن الصدف
ولكن يظهر أن سجنه قد طـ,,ـال ، وبسبب من اضطهاده وإلحاق الجوع
والمرض والاغتراب عليه كتب إلى والي حمـص قصيدة يستعطفه بها ومطلعها:
أيا خدد الله ورد الخدود وقدَّ قدود الحسان القدود
فهنَّ أسلن دمًا مقلتي وعذبن قلبي بطول الصدود
وكم للهوى من فتى مدنف وكم للنوى من قتيل شهيد
فواحسرتا ما أمـرَّ الفراق وأعلق نيرانه بالكبود
إلى أن يصل قولـ,,ـه:
أمالك رِقِّي ومن شأنه هبات اللجين وعتق العبيد
دعوتك عند انقطاع الرجا ء والموت مني كحبل الوريد
دعوتك لما براني البلاء وأوهن رجلي ثقل الحديد
وقد كان مشيهما بالنعال وقد صار مشيهما في القيود
وكنت من الناس في محفل وها أنا في محفل من قرود
تعجل فيَّ وجـوب الحدود وحدّي قبل وجوب السجود
وقيل عدوت عن العالمين بين ولادي وبين القعـود
فما لـك تقبل زور الكلا م وقدر الشهادة قدر الشهود
فلا تسمعن من الكاشحين ولا تعبأن بمحك اليهود
وكن فارقًا بين دعوى أردت ودعوى فعلت بشأو بعيـد
تلك الأبيات تدلنا على أن هناك أعداء كادوا للمتنبي فسجنوه
وأنه لم يفعل ما اتهموه به , وقد أثارت القصيـدة عطف الوالي عليه
فأخرجه من السجن وأطلقه واستتابه فيما يظهـ,,ـر
ولكن استتابته مما نسبه إليه العامة ، ولم يكن بعسير على المتنبي أن يعلن توبته
وكانت الفترة التي قضاها المتنبي بعد خروجه من السجن فترة تشرد
وفاقة وضعة وخمول , كان يتصل بالوجهـ..ـاء وأصحاب المكانة يمدحهم فلا يجيزونه على الشعر
إلا أهون الجزاء , يقولون إنه مدح أحد الوجهاء بالقصـ..ـيدة المشهورة التالية التي مطلعها:
بأبي الشموس الجانحات غواربا اللابسات من الحرير جلاببا
فجزاه عليها دينارا , ولم تحسن حاله حتى قصد أنطاكية
واتصل هناك بالأمير أبي العشائر ومدحه بعدة قصائد كان أولهـ,,ـا:
أتراها لكثـرة العشاق تحسب الدمع خلقة في المآقي
فقربه أبو العشائر وحسنت حاله عنـــ,,,ـده
كان أبو العشائر هذا قريبا لسيف الدولة علي بن حمدان رأس الدولة الحمدانيـة
فيسر له الوصول إليه ، وكان ذلك سنة 337هـ , ودامت صحبة أبي الطيب للأمير ثمان سنوات وخصص للشاعر ثلاثة آلاف دينار كل سنـ,ـة عدا الهبات السخية
والعطاء المتواصل من مال وثياب وخيول ومزارع
مقابل ذلك وقائعه مع الروم بقصائد قلَّ أن نجد لها نظيرا في الشعر العربي
ثم حدث ما عكر الصفو ، فقصد الشاعر مصر , ,
فالمتنبي وإن كان قبل اتصاله بسيف الدولة مغمورا ثم تبلورت حياته تبلورا واضحا بعد اتصاله به
إلا أن نفسه كانت تضطـ.ـرم بثورة أكَّالة ، وهو لم يزل في عنفوان الشباب
فقد شرَّق وغرَّب , مكافحًا مناضلا ، وعاش مع طموحه في صراع مرير
نال أبو الطيب جاها وحظوة من لدن سيف الدولـ,ـ,ـة
ولكن من أين للشاعر المتعالي المقيم على قلق
أن يهدأ أو بالأحرى أن تهدأ خواطر الذين قطع عليهم بشعره أرزاقهـ.ـم
أو أقصـى منزلتهم من الأمير الذي أجل شاعره في أكرم منزلة , ,
لقد بدأت الوشايات والسعايات في بلاط سيف الدولة تعمل عملها
حتى لقيت في نفس الأمير أكثر من صدى ، فتحول حماسه لشاعره إلى فتور
ولا نقول جفاء ، خصوصا وأن وراء الوشايات والسعايات كبارا من أمثال أبي فراس الحمداني وابن خالويه والنامي وسواهم من رجال البلاط
وعندها علت صيحات الشعراء وشكواهـم من تعالي أبي الطيب عليهم
فأثر ذلك في سيف الدولة ثم قويت نفرته مع أبي الطيب ، فأمر غلمانه بقتله
فتعرضوا له في الطريق ، غير أنه استطـ..ـاع تفريقهم عنه واختفى في حلب لدى بعض أصدقائه
وراسل الأمير فأنكر أنه أمر له بسـ,ـوء ، وبعد تسعة عشر يوما جاء إلى القصر
ورحب به سيف الدولة ، وخلع عليه وسأله عن حاله ، فأجاب: رأيت الموت عندك أحب إلي من الحياة عند غيرك , وكان أشياعه ينشـرون مدائحه ويذيعون فضائله ويتأولون به
وأعداؤه يخنقون عليه ويغضون من شأنه
أقام أبو الطيب في مصر أربع سنوات ونصف سنة وعرض في مدائحه لكافور بسيف الدولة
ورضي أن ينشد شعره واقفا بين يديه على خلاف عادتـه
ولقي الشاعر من كرم كافور ما جعله في مصاف الأغنياء
ولكنه ما لبث أن أسفر عن أطماعه الأولى ، فطلب أن يتولى (ولاية) أو (إمارة)
وألح في طلبه هذا وألحف ، ومدح نفسه في مطلع القصائد التي مدح بها سيده الجديد
ولما رأى كافور يماطله ويؤجل تنفيذ رغبته ، راح يشكو أمله ويمتدح سيف الدولة
ويعلن أسفه على فراقه , ودبت النفرة بين الرجلين ، ,
وانقطع أبو الطيب عن مدحه ثمانية أشهر ، ثم نظم قصيدة ظاهرها المدح وباطنها التأنيب
ثم أصيب بالحمى ونظم أثناء مرضه قصيدة عرض فيها بكافـ,,ـور وبخله
ولم يكن كافور أهلا لهذا الهجاء ربما منع الشاعر ولاية أو ضيعـة ولكنه استحقه بما وعد ومطل
ثم أخلف فملأ نفس الشاعر الطموح غيظا , تناقل الناس القصيدة وبلغت كافورا فامتعض
وكانت بين كافور وفاتك الرومي منافسة عنيفة ، وكان الثاني يقيم بالفيوم (وهي إقطاعة له)
حتى لا يضطر الركوب في معية الأسود ، واتصل فاتك بأبي الطيب وراسله
والتقيا في الصحـ,,ـراء ، فكانت هديته للشاعر ألف دينار ذهبا أتبعها بعدة هدايا ثمينة
فمدحه بقصيدة وخز فيها كافورا وخزا مؤلمًا , ,
أما كافورفقد كظم غيظه ، وطلب من الشاعر أن يعود إلى سـيرته الأولى في مدحه
فتجددت آماله ، وحسب أن الوالي - أو كما يلقبه (أبو المسك) و(الأستاذ) سيبرّ بوعده في النهاية
ونظم قصيدة طويلة كرر فيها طلبـ,,ـاته السابقة ومـ.ـلأها لوما وتوبيخا
فغضب أبو المسك ومنع الشاعر عن الرحيل وبث حـ..ـوله العيون والأرصاد
ولما حل العيد وشغلت احتفالاته رجال الدولة هرب أبو الطيب
ونظم قصيدته المشهورة هذه عند خروجه من مصر ، ومطلعها:
عيد بأية حال عدت يا عيد بما مضى أم بأمر منك تجديد
وسار في درب غير مطروقة ، وعلم كافور بالأمـ.ـر
فكتب إلى عماله أن يقتفوا آثاره ويعتقلوه
لكنه استطاع الإفلات بعد رحلة مضنية حتى وصل الكوفة بعد ثلاثة أشهر
هجا الشاعر كافورا وأفحش ، وجاءت كل كلمة في قصائده شواظا من نـار
وبقـي في العـ,.ـراق ثلاث سنوات ، ومر ببغداد عدة مرات
وأبى أن يمدح الوزير المهلبي ، فأغرى به جماعة من شعراء العاصمة
أفرطوا في شتمه وتحقيره فلم يجبهم , علـ.ـم سيف الدولة بخروج الشاعر من مصر
مخاصما لكافور ، وبلغته قصائده في هجوه ، فبعث إليه بالهدايا
وسأله القدوم إلى حلب ، فعاد إلى مدحه ، ثم بعث إليه قصيـ,,ـدة يعزيه بوفاة أخته
وقصد بعد ذلك الوزير ابن العميــد الأديب الشاعر ، في فارس ومدحه
وسافر إلى عضد الدولة الـ..ـبويهي في مدينة شيـ,ـراز
فرحب به وأنزله أفـ,ـضل منزل ، ومدحـه بست قصائد كافأه عليها بمال وافر
وخلع سنية , وبقي في شـ.ـيراز مدة تقارب الثلاثة أشهر ، رحل عنها مودعا مليكها
بقصيدة كانت آخر قصيدة له، يقول:
وقد رأيت الملوك قاطبة وسرت حتى رأيت مولاها
تجمعت في فؤاده همم ملء فؤاد الزمان إحداها
وسار حتى بلغ الأهواز. ثم نزل بواسط ، وهي تبعد عن بغداد نحو أربعين فرسخـا
اخواني الركام . اقدم لكم موسوعه عن الشاعر ابو الطيب المتنبي راجياً من الله تعالى انت تنال اعجاب الجميع .
------
..::.. ][ حيــاة المتنبــــي وسيرتــه الذاتيـــة ][ ..::..
عربي الأصــل , نشأ في أسرة فقيرة
ويعرف أبوه بعبدان السقـاء كان عـ,,ـمله سقاية المـ..ــاء في محلة كندة
وقد أرسله حيـن درج إلى مدارس العلويــ,,ـين في الكوفـ..ـة ليتعلم فيها القراءة والكتابـة
مع فريق من أولاد أشراف العلويـيـن
وأخذ يختلف على دكاكين الوراقيـن لمطالعة بعض الكتب والكراريس
وكانت هذه الحوانيت منتدى للأدب ، يقصدها العلماء والأدباء والباحثــون
فلا بد أنه كان يلقـ..ــى فيها كثيرا منهم ويتصل بهـ,,ـم
وطبيعي أن تلك الحوانيـت هي التي مهدت للمتنبي ثقافته الأولى
ساعـ..ــده على ذلك ذكاؤه الحاد ، ويروى عنه أنه كان قوي الذاكرة ، سريع الحفظ
وأنه ذهب إلى البادية وأقام فيها سنتين لتقويـ..ــم لسانه وتعلم اللغـة
ويبدو أنه سافر لهذه الغاية عندما أغار القرامطة
على الكوفـ,ــة سنة 312هـ ، وغادرها ثانـ.ـية سنة 319هـ مع كثير من أهلها
لعودة القرامطة إليها بعد انتصارهم على جيـ,,ـوش الخلافة
خرج إلى بادية بني كلب , فأقـام بينهم مدة ينشدهم من شعره ويأخذ عنهم اللغة
فعظم شأنه بينهم ، حتـى وشى بعضهم إلى لؤلؤ أمير حمـ,,ـص من قبل الإخشيدية
بأن أبا الطيب ادعى النبوة في بنـ..ـي كلب وتبعه منهم خلـ,ـق كثير
ويخشى على ملك الشام منه ، فخرج لؤلؤ إلى بني كلب وحاربهـ,ـم
وقبض على المتنبي وسجنه طويلا ثم استتابه وأطلقه
وفي السنة نفسها قطع طريق الحجاج العراقيين الذاهبين إلى مكـة
واغتنم فرصة الذعر الذي استولـ,ـى على العراقيين
فدخل الكوفة ونهبها وضربها ثم عاد إلى البحرين , ,
فلعل هجرة والد أبي الطيب إلى البادية كان نتيجة لهذا الذعر الذي لحق الكوفيـيـن
ومهما يكن من سبب هذه الهجرة إلى البـ..ـادية
فإننا نعلم أن والده استقر به في بادية السماوة عند بني الصابي
وهم فرع من جشم بن همدان أخواله، ومكث سنتين في بادية السماوة، ويبدو أن القرمطية اجتذبت في بدء ظهورها أنصارا لها من أوساط البدو المتحمسيـن
استقر في الكوفة ، وبعد رجوعه من البادية إلي الكوفة ، لم يطل مكثه بها ، فتركها إلى بغداد
ولم يبق في بغداد طويـلا ، فخرج عنها إلى الشـ,,ـام , ,
خرج إلى الشام وهو لم يبلغ العشرين من عمـره
ونرى أن الأحداث التي كانت تجري في الشام من نزاع بين الإخشيديين وبين خلفاء بغداد
ومحاولات الطامعين إنشاء دولة والسيطـ,,ـرة على المدن وإقامة ملك لهم
وهو الذي لفت المتنبي إلى الذهاب إلى هناك
لأنه قد وجد في مثل هذا الوسط المضطرب مجالا لتحقيق طموحاته
التي ولدتها في نفسه آراء القرامطة من ناحية وطموح طبيعي في نفسـ,ـه من ناحية أخرى
ولأنه في الشـ..ـام لا يعرفه أحد فلا يمكن أن تقف قصة مهنة أبيه
عائقا في تحقيق مثل هذه المطامح , فالناس هناك يجهلون مثل هذه المهنة. ونحن نرى أن المتنبي في هذه الفترة اتصل بالرؤساء والزعمـاء يمدحهم ولا يكاد يستقر في محل
إلا ليتركه إلى محل آخر ,
ذهـب إلى طبرية فأقام قليلا في اللاذقية , اتصل بالتنوخيين وهم أمراء العرب
فمدحهم ثم حدثت بعد ذلك الحادثـة التي أدت به إلى السجن , ,
وبقي في السجن نحو سنتيـ,,ـن، وأطلق سراحه ، فغادر جنوب سوريا إلى الشمال
وظل ينتقل هناك بين الأمراء حتى هيأ له الاتصال بسيف الدولة
ولعل كثرة تنقله بين المدن وبين رؤساء القبائل مع إعلانه الثورة في شعـ,,ـره
هو الذي جعل خصومه يكيدون له عند والي حمص فسجـ..ــن
أصبح المتنبي خلال إقامته في الشام أكثر شهرة وأقدر على إثارة حسد الحاسدين وكيد الكائدين واستطاع هؤلاء الحساد أن يكيدوا له عند والي حمـ,ـص
فكتبوا إليه أبياته التي تدل على استهانته بالدين من ناحية واستعداده للثورة من ناحية أخرى
ولعل صاحب حمص قد خشي أن يثور المتنبـي
فألقاه في السجن , ولكن من الرواة من يقول أن سبب سجنه هو ادعاؤه النبوة
وخداعه أعرابا من كلب بهذه النبـوة ، وأن أمره كان يقوى حتى خرج إليه أمير حمص
ففرق جمعه وألقاه في السجن
بعــد خروجـه من السجن , لم يتوقـف المتنبي عن مايفعله
بل أقـام الثـورات أراد أن يتزعم حركة دينية تحقق له مطامحه متأثـرا بآراء القرامطة من غير شك
ففشل فيها وسجـ,,ـن ولقب بعد سجنه بالمتنبي
وقد أبدى في سجنه صبرا ، فهو يقول مخاطبا سجانـ.ـه أبا دلف:
أهون بطول الثواء والتلف والسجن والقيد يا أبا دلف
غير اختيار قبلت برَّك بي والجوع يرضي الأسود بالجيف
كن أيها السجن كيف شئت فقد وطنت للموت نفس معترف
لو كان سكناي فيك منقصة لم يكن الدر ساكن الصدف
ولكن يظهر أن سجنه قد طـ,,ـال ، وبسبب من اضطهاده وإلحاق الجوع
والمرض والاغتراب عليه كتب إلى والي حمـص قصيدة يستعطفه بها ومطلعها:
أيا خدد الله ورد الخدود وقدَّ قدود الحسان القدود
فهنَّ أسلن دمًا مقلتي وعذبن قلبي بطول الصدود
وكم للهوى من فتى مدنف وكم للنوى من قتيل شهيد
فواحسرتا ما أمـرَّ الفراق وأعلق نيرانه بالكبود
إلى أن يصل قولـ,,ـه:
أمالك رِقِّي ومن شأنه هبات اللجين وعتق العبيد
دعوتك عند انقطاع الرجا ء والموت مني كحبل الوريد
دعوتك لما براني البلاء وأوهن رجلي ثقل الحديد
وقد كان مشيهما بالنعال وقد صار مشيهما في القيود
وكنت من الناس في محفل وها أنا في محفل من قرود
تعجل فيَّ وجـوب الحدود وحدّي قبل وجوب السجود
وقيل عدوت عن العالمين بين ولادي وبين القعـود
فما لـك تقبل زور الكلا م وقدر الشهادة قدر الشهود
فلا تسمعن من الكاشحين ولا تعبأن بمحك اليهود
وكن فارقًا بين دعوى أردت ودعوى فعلت بشأو بعيـد
تلك الأبيات تدلنا على أن هناك أعداء كادوا للمتنبي فسجنوه
وأنه لم يفعل ما اتهموه به , وقد أثارت القصيـدة عطف الوالي عليه
فأخرجه من السجن وأطلقه واستتابه فيما يظهـ,,ـر
ولكن استتابته مما نسبه إليه العامة ، ولم يكن بعسير على المتنبي أن يعلن توبته
وكانت الفترة التي قضاها المتنبي بعد خروجه من السجن فترة تشرد
وفاقة وضعة وخمول , كان يتصل بالوجهـ..ـاء وأصحاب المكانة يمدحهم فلا يجيزونه على الشعر
إلا أهون الجزاء , يقولون إنه مدح أحد الوجهاء بالقصـ..ـيدة المشهورة التالية التي مطلعها:
بأبي الشموس الجانحات غواربا اللابسات من الحرير جلاببا
فجزاه عليها دينارا , ولم تحسن حاله حتى قصد أنطاكية
واتصل هناك بالأمير أبي العشائر ومدحه بعدة قصائد كان أولهـ,,ـا:
أتراها لكثـرة العشاق تحسب الدمع خلقة في المآقي
فقربه أبو العشائر وحسنت حاله عنـــ,,,ـده
كان أبو العشائر هذا قريبا لسيف الدولة علي بن حمدان رأس الدولة الحمدانيـة
فيسر له الوصول إليه ، وكان ذلك سنة 337هـ , ودامت صحبة أبي الطيب للأمير ثمان سنوات وخصص للشاعر ثلاثة آلاف دينار كل سنـ,ـة عدا الهبات السخية
والعطاء المتواصل من مال وثياب وخيول ومزارع
مقابل ذلك وقائعه مع الروم بقصائد قلَّ أن نجد لها نظيرا في الشعر العربي
ثم حدث ما عكر الصفو ، فقصد الشاعر مصر , ,
فالمتنبي وإن كان قبل اتصاله بسيف الدولة مغمورا ثم تبلورت حياته تبلورا واضحا بعد اتصاله به
إلا أن نفسه كانت تضطـ.ـرم بثورة أكَّالة ، وهو لم يزل في عنفوان الشباب
فقد شرَّق وغرَّب , مكافحًا مناضلا ، وعاش مع طموحه في صراع مرير
نال أبو الطيب جاها وحظوة من لدن سيف الدولـ,ـ,ـة
ولكن من أين للشاعر المتعالي المقيم على قلق
أن يهدأ أو بالأحرى أن تهدأ خواطر الذين قطع عليهم بشعره أرزاقهـ.ـم
أو أقصـى منزلتهم من الأمير الذي أجل شاعره في أكرم منزلة , ,
لقد بدأت الوشايات والسعايات في بلاط سيف الدولة تعمل عملها
حتى لقيت في نفس الأمير أكثر من صدى ، فتحول حماسه لشاعره إلى فتور
ولا نقول جفاء ، خصوصا وأن وراء الوشايات والسعايات كبارا من أمثال أبي فراس الحمداني وابن خالويه والنامي وسواهم من رجال البلاط
وعندها علت صيحات الشعراء وشكواهـم من تعالي أبي الطيب عليهم
فأثر ذلك في سيف الدولة ثم قويت نفرته مع أبي الطيب ، فأمر غلمانه بقتله
فتعرضوا له في الطريق ، غير أنه استطـ..ـاع تفريقهم عنه واختفى في حلب لدى بعض أصدقائه
وراسل الأمير فأنكر أنه أمر له بسـ,ـوء ، وبعد تسعة عشر يوما جاء إلى القصر
ورحب به سيف الدولة ، وخلع عليه وسأله عن حاله ، فأجاب: رأيت الموت عندك أحب إلي من الحياة عند غيرك , وكان أشياعه ينشـرون مدائحه ويذيعون فضائله ويتأولون به
وأعداؤه يخنقون عليه ويغضون من شأنه
أقام أبو الطيب في مصر أربع سنوات ونصف سنة وعرض في مدائحه لكافور بسيف الدولة
ورضي أن ينشد شعره واقفا بين يديه على خلاف عادتـه
ولقي الشاعر من كرم كافور ما جعله في مصاف الأغنياء
ولكنه ما لبث أن أسفر عن أطماعه الأولى ، فطلب أن يتولى (ولاية) أو (إمارة)
وألح في طلبه هذا وألحف ، ومدح نفسه في مطلع القصائد التي مدح بها سيده الجديد
ولما رأى كافور يماطله ويؤجل تنفيذ رغبته ، راح يشكو أمله ويمتدح سيف الدولة
ويعلن أسفه على فراقه , ودبت النفرة بين الرجلين ، ,
وانقطع أبو الطيب عن مدحه ثمانية أشهر ، ثم نظم قصيدة ظاهرها المدح وباطنها التأنيب
ثم أصيب بالحمى ونظم أثناء مرضه قصيدة عرض فيها بكافـ,,ـور وبخله
ولم يكن كافور أهلا لهذا الهجاء ربما منع الشاعر ولاية أو ضيعـة ولكنه استحقه بما وعد ومطل
ثم أخلف فملأ نفس الشاعر الطموح غيظا , تناقل الناس القصيدة وبلغت كافورا فامتعض
وكانت بين كافور وفاتك الرومي منافسة عنيفة ، وكان الثاني يقيم بالفيوم (وهي إقطاعة له)
حتى لا يضطر الركوب في معية الأسود ، واتصل فاتك بأبي الطيب وراسله
والتقيا في الصحـ,,ـراء ، فكانت هديته للشاعر ألف دينار ذهبا أتبعها بعدة هدايا ثمينة
فمدحه بقصيدة وخز فيها كافورا وخزا مؤلمًا , ,
أما كافورفقد كظم غيظه ، وطلب من الشاعر أن يعود إلى سـيرته الأولى في مدحه
فتجددت آماله ، وحسب أن الوالي - أو كما يلقبه (أبو المسك) و(الأستاذ) سيبرّ بوعده في النهاية
ونظم قصيدة طويلة كرر فيها طلبـ,,ـاته السابقة ومـ.ـلأها لوما وتوبيخا
فغضب أبو المسك ومنع الشاعر عن الرحيل وبث حـ..ـوله العيون والأرصاد
ولما حل العيد وشغلت احتفالاته رجال الدولة هرب أبو الطيب
ونظم قصيدته المشهورة هذه عند خروجه من مصر ، ومطلعها:
عيد بأية حال عدت يا عيد بما مضى أم بأمر منك تجديد
وسار في درب غير مطروقة ، وعلم كافور بالأمـ.ـر
فكتب إلى عماله أن يقتفوا آثاره ويعتقلوه
لكنه استطاع الإفلات بعد رحلة مضنية حتى وصل الكوفة بعد ثلاثة أشهر
هجا الشاعر كافورا وأفحش ، وجاءت كل كلمة في قصائده شواظا من نـار
وبقـي في العـ,.ـراق ثلاث سنوات ، ومر ببغداد عدة مرات
وأبى أن يمدح الوزير المهلبي ، فأغرى به جماعة من شعراء العاصمة
أفرطوا في شتمه وتحقيره فلم يجبهم , علـ.ـم سيف الدولة بخروج الشاعر من مصر
مخاصما لكافور ، وبلغته قصائده في هجوه ، فبعث إليه بالهدايا
وسأله القدوم إلى حلب ، فعاد إلى مدحه ، ثم بعث إليه قصيـ,,ـدة يعزيه بوفاة أخته
وقصد بعد ذلك الوزير ابن العميــد الأديب الشاعر ، في فارس ومدحه
وسافر إلى عضد الدولة الـ..ـبويهي في مدينة شيـ,ـراز
فرحب به وأنزله أفـ,ـضل منزل ، ومدحـه بست قصائد كافأه عليها بمال وافر
وخلع سنية , وبقي في شـ.ـيراز مدة تقارب الثلاثة أشهر ، رحل عنها مودعا مليكها
بقصيدة كانت آخر قصيدة له، يقول:
وقد رأيت الملوك قاطبة وسرت حتى رأيت مولاها
تجمعت في فؤاده همم ملء فؤاد الزمان إحداها
وسار حتى بلغ الأهواز. ثم نزل بواسط ، وهي تبعد عن بغداد نحو أربعين فرسخـا